دعوة للعودة الى الوطن

بقلم: عارف دليلة

دعوة للعودة الى الوطن
plain text طباعة أرسل إلى صديق
نيوز سنتر

بمناسبة ” دعوة للعودة الى الوطن  والمحدد موعدها في ” جمعة العودة 10 آب ” أتمنى ان تحظى هذه الدعوة بموافقة اكبر عدد من الأخوة السوريين المشتتين في الخارج وبمشاركتهم في تنفيذ مضمونها عمليا واتمنى ان يرى فيها كل السوريين مناسبة وطنية بامتياز تستحق الدعم بجميع الوسائل.

لست ممن لا يرى الأسباب الحقيقية لتشرد السوريين في الخارج . فاذا استثنينا بعض الحالات الفردية او الاختيارية لسبب او لآخر , فان السبب الاعم لهجرة السوريين وتشردهم يبقى السبب السياسي متمثلا في غياب دولة القانون والذي يؤرخ بهيمنة النظام الأمني الذي يجرم كل من يهتم بالشأن العام بمنظور وطني اجتماعي قانوني وأخلاقي حتى لايبقى في البلاد الا من يبحث عن مصالحه الخاصة بأية طريقة وتجاوزات قانونية وأخلاقية مغمض العينين عما يجري لدولته وشعبه في الحاضر والمستقبل على ايدي من هم على شاكلته وبالأخص اذا كانوا ممن يغتصبون مراكز النفوذ والقرار.

أكثر من نصف قرن والسوريون تحت التنصت والمراقبة في كل ما يقولون ويكتبون ويفعلون او حتى يحدسون. أكثر من نصف قرن وسورية تنزف وتطرد البشر من رجال ونساء وعائلات , ومن زنود وعقول , شبان وشيوخ ومؤهلات وأصحاب خبرات واستثمارات وأموال, حتى أصبح السوريون في كثير من دول العالم من أعمدة اقتصادياتها الوطنية او رجال العلم فيها , بينما بلدهم وأهلهم يزدادون افتقارا وتخلفا.

اما رجال السلطة فلم يكن لديهم هم اكبر من تخليد التصاقهم بمراكزهم مع كل ما يشتمل عليه ذلك من التسابق على اشباع الشهوات الذاتية الرخيصة والمبتذلة وغير القابلة للإشباع ولو كان ثمن ذلك دفع بلدهم وشعبهم الى اسفل قائمة الامم . ( القمة القمة , استئثارا وإقصاء , ولو كانت القمة رأس مزبلة !) هذا هو الطموح المريض الذي اوصل سورية الى الحضيض الذي لن تخرج منه الا بالشفاء من هذا المرض العضال وهو ما يغيب عن اذهان الكثيرين هذه الايام وهم يهرولون وراء هذا او ذاك ممن لم يسجلوا في تاريخ حياتهم موقف شرف واحد لاعلى المستوى الشخصي ولا على المستوى الوطني .

كثيرا ما اهتممنا بالهجرة في ابحاثنا الاقتصادية, فقد بلغ عدد السوريين في الخارج مايزيد عن ثلاثة ملايين (من المسجلين في سجلات الاحوال المدنية كمواطنين سوريين بينما عدد من هم من اصل سوري ممن هاجر على مدى القرن العشرين فيكاد يبلغ عدد سكان سورية المقيمين في الداخل الان ) .

في عام 1970 كان عدد السوريين الذين يعيشون في الخارج ( من المسجلين في سجلات الاحوال المدنية ) 270 الف سوري وسورية( من مجموع السكان البالغ حوالي ستة ملايين ونصف )اي اقل من 4% . اما نسبة السوريين المقيمين في الخارج اليوم فتزيد عن ثلاثة ملايين (من مجموع اكثر من 23 مليون ) اي بنسبة حوالي 13% وهي من اعلى النسب المماثلة في العالم !واذا كان هناك من يقول بأولوية السبب الاقتصادي لهذه الهجرة فاني اقول بأنه لايجوز الفصل بين ماهو سياسي واقتصادي حتى في حالات الهجرة الاختيارية . فلو كان النظام السياسي قد حقق نجاحات اقتصادية في الداخل (في النمو الاقتصادي وحسن توزيع الدخل والتنمية الاجتماعية ) لما كان هناك اسباب طاردة للسكان لااقتصادية ولا سياسية . وتجدر المقارنة هنا مع ماليزيا التي اصبحت موضوعا جذابا للمقارنة مع سورية .

فقد زار رئيس وزراء ماليزيا سورية اواسط الخمسينات وصرح بانه سيقدمها لشعبه كمثال يحتذى ! ولان عدد سكان ماليزيا يماثل عدد سكان سورية مع ميزة لسورية وهي انها في مركز القارات الثلاث بينما ماليزيا تقع على ابعد نقطة من هذا المركز الخ فالسؤال هو :اين اصبحت ماليزيا واين اصبحت سورية (وهذا قبل النهوض الشعبي العارم المطالب بالتغيير الجذري فكيف بنا بعد الدمار الشامل) ؟ وهل هناك سبب لهذا التبدل في المواقع بين ماليزيا وسوريا غير النظام السياسي واخلاقيات القائمين عليه؟ ولا نقصد قياسا الى النظام الديمقراطي في شكله الغربي , رغم الفارق الكبير لصالح ماليزيا حتى في هذا المقياس , وانما نقصد بشكل خاص حسن الادارة (الادارة على المستوى السياسي والاقتصادي ) او مايسمى اليوم في الادبيات السياسية العالمية :good governance اي الادارة من منظور وطني .في تشرين الاول عام 2011 زرت باريس التي اصبح يعيش فيها اصدقاء ومعارف كثر على مدى العقود الاربعة الماضية ودعيت لالقاء محاضرة ضمت عددا كبيرا من الاخوة السوريين ومعظمهم من الممنوعين او المتمنعين عن العودة بسبب المنغصات المذكورة اعلاه . وكان موضوع المحاضرة والنقاش الطويل الذي تلاها يدور بالطبع حول الاستعصاء المتمثل بالممانعة المزمنة منذ عقود من قبل السلطة الاحادية القائمة على الاستبداد والفساد للتغيير المستحق والذي لاامل باي تقدم بدونه .

وبمناسبة الحديث عن العودة للوطن اقترحت ان ينظم السوريون في مختلف دول الشتات انفسهم ويستأجروا اسطول طائرات وينزلوا في مطار دمشق .وقد كررت اقتراحي هذا عبر وسائل الاعلام مرات عديدة مؤكدا ان النفي ممنوع في الدساتير السورية وان احدا لايملك ان يمنع اي مواطن من السفر والعودة الى وطنه وان جميع الاسباب والمعوقات المانعة يجب ان تزول وعلى راسها الاشكاليات الامنية المرتبطة بمعارضة النظام السياسي السلمية العلنية والمشروعة الفردية او الجماعية , بل وطالبت بأن تعقد جميع المؤتمرات والاجتماعات لبحث الشأن العام السوري داخل الاراضي السورية بمشاركة كل من يشاء من السوريين وبضمانات كاملة لحرية الرأي والموقف , لتخرج سورية من القائمة السوداء المخزية للدول القليلة جدا في العالم التي تهجر سكانها بسبب معارضتهم العلنية السلمية للانظمة القائمة.

يجب ان لا تعتبر هذه القضية نوعا من صرف الأنظار عن مطالب التغيير السياسي الجذري المستحق بل ان تكون احدى لبنات هذا التغيير الأساسية. ان عودة السوريين للاندماج في الحركة الشاملة لعملية التغيير تسهل وتسرع وتزيد من زخم هذه الحركة وتساهم في إيقاف العنف والاجرام المتصاعد الذي يزيد من تكلفة التغيير.

ليكن شعار الجميع: كفى هدراً واستنزافا لسورية وللسوريين, وفروا جميع الطاقات الانسانية والمادية لبناء سورية لكل السوريين وبمشاركة كل السوريين!



دمشق - نيوز سنتر - بقلم: الدكتور عارف دليلة







المركز السوري للأخبار والدراسات - كلنا شركاء



أضف تعليق